منهج البحث: النص قبل الخريطة الحديثة
ينطلق هذا البحث من قاعدة منهجية واحدة: لا يمكن نسبة قبيلة أو سلالة من العصور القديمة والوسيطة إلى دولة حديثة لمجرد أن جزءاً من مجالها يقع اليوم داخل حدود تلك الدولة. المطلوب هو تحديد الزمن والموطن والنص ثم التفريق بين الأصل والانتشار والدولة.
المكان الذي تنسب إليه المصادر جمهور القبيلة أو أصل استقرارها.
المجالات التي بلغتها الفروع بسبب الرعي أو الحرب أو الحلف.
المجال الذي حكمته السلالة بعد قيام سلطتها، وقد يكون أوسع من موطنها القبلي.
نقدم النصوص الأقرب إلى الحدث ثم نقارنها بالمصادر اللاحقة وبالمعطى الأثري.
الموريون ونوميديا: المجال السياسي الأقدم لغرب شمال إفريقيا
قبل ظهور الأسماء السياسية الوسيطة بقرون كانت المصادر اليونانية واللاتينية تميز بين الموريين في الغرب وممالك نوميديا شرقهم. ويكشف هذا القسم هوية الشخصيات الواردة في تلك الأخبار وقيمة كل مؤلف زمنياً.
سالّوست: المؤرخ وسياق كتابه
غايوس سالّوستيوس كريسبوس (86–35 ق.م) مؤرخ ورجل سياسة روماني، ألّف حرب يوغرطة عن الحرب الرومانية مع الملك النوميدي يوغرطة في أواخر القرن الثاني قبل الميلاد.
«أما الموريون فهم الأقرب إلى إسبانيا»سالّوست، حرب يوغرطة، الفصل 19؛ معنى proximi Hispaniam Mauri sunt.
وفي السياق نفسه يضع سالّوست نهر Muluccha فاصلاً بين مجال يوغرطة والموريين في تلك المرحلة، فيعطينا وصفاً سياسياً وجغرافياً مبكراً لموريطانيا ونوميديا.
ماسينيسا وباغا ملك الموريين
ماسينيسا (نحو 238–148 ق.م) ملك نوميدي من الماسيل، تحالف مع روما في نهاية الحرب البونيقية الثانية. وباغا كان ملكاً للموريين في الغرب زمن عودة ماسينيسا إلى إفريقيا.
يروي تيت ليفي (59 ق.م–17م)، صاحب تاريخ روما منذ تأسيسها، أن ماسينيسا عندما دخل موريطانيا طلب من باغا قوة مرافقة لعبور الطريق، فأعطاه أربعة آلاف موري حتى حدود نوميديا.
سيفاكس: ملك الماسايسيل
سيفاكس كان ملك الماسايسيل في غرب نوميديا خلال الحرب البونيقية الثانية، ومنافساً لماسينيسا. تحالف في مراحل مختلفة مع روما ثم قرطاجة قبل أن يهزم ويؤسر نحو 203 ق.م.
وتبين أخباره في ليفي أن الصراع النوميدي كان متصلاً بالمجال الموري المجاور، وأن موريطانيا لم تكن هامشاً منفصلاً عن موازين القوى في غرب شمال إفريقيا.
بليني الأكبر والماسايسيل
بليني الأكبر (23/24–79م) مؤلف موسوعي روماني، خصص الكتاب الخامس من التاريخ الطبيعي لجغرافية إفريقيا.
ترد عنده أسماء الموريين والماسايسيل ضمن ترتيب شعوب موريطانيا وشمال إفريقيا، وهي مادة أساسية لفهم التوزع القديم قبل إعادة تنظيم روما للأقاليم.
حنّون القرطاجي وملك الموريين
حنّون أرستقراطي قرطاجي من القرن الرابع قبل الميلاد ارتبط اسمه بمحاولة انقلاب في قرطاجة. وينقل يوستينوس، مختصر تاريخ بومبيوس تروغوس، أنه حاول استمالة قوة خارجية في الغرب.
في الكتاب 21 من Epitome of Pompeius Trogus يرد أن حنّون حاول استمالة الأفارقة وملك الموريين. تاريخ يوستينوس غير محسوم بدقة، لكنه ينقل مادة من المؤرخ الأقدم بومبيوس تروغوس.
أوربة وكسيلة: قبيلة برنسية ذات حضور واسع
أوربة من أشهر قبائل البرانس في أخبار الفتح الإسلامي، وارتبط اسمها بكسيلة ثم بالدعوة الإدريسية. ويجب الجمع بين الرواية النسبية المغربية والمصادر السياسية الأقدم.
صالح بن عبد الحليم وكتاب الأنساب
صالح بن عبد الحليم الأيلاني مؤلف مغربي من القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي، وصل كتابه الأنساب في مخطوطات بالخزانة الوطنية بالرباط، ونشره محمد يعلى سنة 1996 ضمن ثلاثة نصوص عربية عن البربر في الغرب الإسلامي.
ينسب الكتاب إلى أوربة أخباراً تربطها بمدينة «ورب» في المجال الشمالي الغربي، ويذكر كسيلة ضمن رجالها. وبما أن المؤلف متأخر عن عصر الفتح، فإن خبره يُقرأ مع ابن خلدون ورياض النفوس ولا يُفرد وحده بالحكم.
كسيلة في ابن خلدون
كسيلة بن لمزم الأوربي عاش في القرن الأول الهجري/السابع الميلادي، وكان زعيم أوربة وأحد أشهر قادة البربر في مرحلة الفتح.
«وكانت رياسة البربر يومئذ في أوربة لكسيلة بن لمزم، وهو رأس البرانس»ابن خلدون، كتاب العبر، ج6، ص142.
كسيلة في رياض النفوس
أبو بكر المالكي، المتوفى في القرن الخامس الهجري، جمع أخبار إفريقية والفتح في رياض النفوس.
«ليس بطنجة عدو لك، لأن الناس قد أسلموا، وهذا رئيس البلاد ـ يريد كسيلة ـ فابعث معه والياً...»أبو بكر المالكي، رياض النفوس، ج1، ص40.
طارق بن زياد: نفزة بين النسب والمجال
طارق بن زياد قائد فتح الأندلس سنة 92هـ/711م. تختلف المصادر في نسبه، لكن الرأي الغالب في ابن عذاري يجعله بربرياً من نفزة.
ابن عذاري والنص الحاسم
ابن عذاري المراكشي مؤرخ مغربي من أواخر القرن السابع وبداية الثامن الهجري وصاحب البيان المغرب.
«وقد اختلف في نسبه؛ فالأكثرون على أنه بربري من نفزة، وأنه مولى لموسى بن نصير»ابن عذاري، البيان المغرب، ج2، ص5.
عبارة «اختلف في نسبه» مهمة بقدر عبارة «الأكثرون»، لأنها تمنع تحويل أي سلسلة نسب لاحقة إلى إجماع لا وجود له.
نفزة قبيلة واسم مجال
نفزة اسم قبلي معروف، لكنه يظهر كذلك في تراكيب جغرافية متصلة بنكور والريف الشرقي، وهو ما يوجب جمع مواضع الاسم قبل تحديد دلالة «من نفزة» بدقة.
وتحتاج عبارة «صاحب نكور ونفزة» المنسوبة إلى ابن حيان في المقتبس إلى اعتماد الصفحة المحققة قبل جعلها دليلاً حاسماً على توطين الاسم.
الأدارسة: من وليلي إلى تلمسان
تأسست الدولة الإدريسية في أواخر القرن الثاني الهجري حول وليلي، ثم صارت فاس مركزها الأكبر. ومنذ الجيل الأول امتدت شبكة البيعة والتحالف شرقاً.
إدريس الأول ومحمد بن خزر
إدريس بن عبد الله مؤسس الدولة الإدريسية، بايعته أوربة ثم اتجه إلى المغرب الأوسط.
«ثم نهض إلى المغرب الأوسط سنة أربع وسبعين ومائة فتلقّاه محمد بن خزر هذا وألقى إليه المقادة، وبايع له عن قومه وأمكنه من تلمسان...»ابن خلدون، كتاب العبر، ج7، ص34.
ابن خرداذبة وبلاد زاغي
ابن خرداذبة (ت نحو 280هـ/893م) من أقدم الجغرافيين المسلمين، وكتابه المسالك والممالك من أمهات جغرافية الطرق.
«... وأوارس وما يتصل ببلاد زاغي بن زاغي والسودان العراة إلى ما يحاذيه من نواحي البحر...»ابن خرداذبة، المسالك والممالك، ص89.
مكناسة وMacanitae: النص الوسيط والاسم القديم والنقش الأثري
قضية مكناسة تتميز بتلاقي ثلاثة مستويات: نصوص إسلامية تجعل ملوية محوراً أساسياً لمواطنها، وقائمة بطليموس لقبائل موريطانيا الطنجية، ثم نقش من وليلي يثبت وجود Macennites في القرن الثاني الميلادي.
المواطن عند ابن خلدون
ابن خلدون (1332–1406م) خصص فصولاً واسعة لقبائل البربر وحدد مواطن مكناسة بعبارة صريحة.
«وكانت مواطنهم على وادي ملويّة من لدن أعلاه سجلماسة إلى مصبّه في البحر، وما بين ذلك من نواحي تازا وتسول»ابن خلدون، ج6، ص170.
الإدريسي ومكناس البربري
الشريف الإدريسي (نحو 1100–1165م) جغرافي مغربي ألّف نزهة المشتاق في القرن السادس الهجري.
«ومكناسة سميت باسم مكناس البربري لما نزلها مع بنيه عند حلولهم بالمغرب...»الإدريسي، نزهة المشتاق، ج1، ص244.
بطليموس وMacanitae
كلوديوس بطليموس، جغرافي وفلكي من الإسكندرية في القرن الثاني الميلادي، سجل في الكتاب الرابع من الجغرافيا أسماء قبائل موريطانيا الطنجية.
تظهر Macanitae / Makanitai جنوب Bacuatae في موريطانيا الطنجية، ويؤكد الباحثون أن الاسم معروف أيضاً من المسلك الأنطونيني ومن النقوش.
نقش وليلي: الدليل الإبغرافي
أهم إضافة أثرية هي «مذبح سلام» عثر عليه في الضاحية الغربية لوليلي ويؤرخ إلى عهد ماركوس أوريليوس بين 173 و175م تقريباً.
«... cum Ucmetio principe gentium Macennitum et Baquatium»IAM II 384 = AE 1953, 78؛ وليلي، نحو 173–175م.
أي أن الحاكم الروماني تفاوض مع أوكمتيوس Ucmetius، أمير Macennites وBaquates. وهنا ينتقل الاسم من مجرد قائمة جغرافية إلى شاهد إبغرافي مؤرخ.
هل Macanitae هم مكناسة؟
التطابق طُرح منذ القرن التاسع عشر واستمر في بعض الدراسات الحديثة، لكن قيمته العلمية تأتي من اجتماع الاسم والجغرافيا والنقش لا من التشابه اللفظي وحده.
J. E. H. Spaul يذكر أن Roget، متبعة St. Martin، عرّفت Macennites بـ«Miknassi الذين بنوا مكناس»، ويجمع في مدخله بطليموس والمسلك الأنطونيني ونقش وليلي. كما تضع دراسة منشورة في Mélanges de l'École française de Rome سنة 1993 Macennites جنوب Baquates في وسط المغرب القديم وتستند إلى النقش نفسه.
الزيريون والحماديون: مناد بن منقوش والقلعة المنادية
يحتاج تاريخ الزيريين إلى التمييز بين موطن الأسرة قبل الدولة، ومجال تلكاتة الصنهاجية، ثم الدولة التي انتقلت إلى إفريقية. ومناد بن منقوش هو الحلقة الأساسية في هذه المرحلة المبكرة.
مناد بن منقوش
مناد بن منقوش هو والد زيري بن مناد وجد الأسرة الزيرية. يجعله ابن خلدون كبير تلكاتة من صنهاجة في أواخر العصر الأغلبي.
ينقل ابن خلدون أن بعض مؤرخي المغرب ذكروا أن مناداً «ملك جانباً من إفريقية والمغرب الأوسط» في عهد الأغالبة، ثم خلفه ابنه زيري بن مناد.
القلعة المنادية قرب سجلماسة
يحفظ البكري خبراً مستقلاً عن مناد صاحب قلعة تحمل اسمه قرب سجلماسة، وهو من أهم النصوص المتعلقة بالجغرافيا المبكرة للأسرة.
«ومناد صاحب المنادية المنسوب إليه القلعة المعروفة بالمنادية قريباً من سجلماسة»أبو عبيد البكري، المسالك والممالك، خبر برغواطة، الموضع 1374 في بعض الطبعات.
وتظهر العبارة نفسها تقريباً في ابن عذاري. وقد طابق عدد من الباحثين هذا «مناد» بمناد بن منقوش جد الزيريين؛ غير أن البكري نفسه لا يضيف في هذا الموضع لفظ «بن منقوش»، لذلك يظل التطابق ترجيحاً قوياً يحتاج دائماً إلى الجمع بين الأخبار.
ابن حوقل وبنو تانماك
ابن حوقل جغرافي القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، عاصر صعود الزيريين وذكر يوسف بن زيري بن مناد في زمنه.
«... ويقرّ منكر بني تانماك بأن بني تماكيزت منهم، ومساطة آل يوسف بن زيري بن مناد...»ابن حوقل، صورة الأرض، ج1، ص105.
حماد والقلعة
حماد بن بلكين مؤسس الدولة الحمادية في أواخر القرن الرابع الهجري، بدأ أميراً زيرياً ثم استقل بالمغرب الأوسط.
«واختط مدينة القلعة... ونقل إليها أهل المسيلة وأهل حمزة... ونقل جراوة من المغرب وأنزلهم بها...»ابن خلدون، ج6، ص227.
مغراوة وبنو خزر: الإسلام المبكر وملوية وفاس
مغراوة من أكبر بطون زناتة، وانتشرت فروعها بين المغربين. ومن خلال أخبار صولات وخزر وبني يرنيان يمكن التفريق بين المواطن القديمة وامتداد السلطان السياسي.
صولات بن وزمار
صولات بن وزمار يقدمه ابن خلدون أميراً لمغراوة في الجيل الأول من الإسلام بالمغرب.
«وهاجر أميرهم صولات بن وزمار إلى المدينة، ووفد على أمير المؤمنين عثمان بن عفان... وعقد له على قومه ووطنه»ابن خلدون، ج7، ص34.
جموع زناتة في جبال درن
في خبر عقبة بن نافع يربط ابن خلدون إسلام زناتة بإسلام مغراوة.
«ونهضت إليهم جموع زناتة وكانوا خالصة للمسلمين منذ إسلام مغراوة، فأفرجت المصامدة عن عقبة»ابن خلدون، ج6، ص142.
بنو يرنيان وملوية
بنو يرنيان إخوة مغراوة وبني يفرن في النسب الزناتي، ويحدد ابن خلدون جمهورهم بوضوح.
«وأما الجمهور منهم فموطنهم بملويّة من المغرب الأقصى ما بين سجلماسة وكرسيف...»ابن خلدون، ج7، ص66.
خزر والمغرب الأوسط
خزر بن حفص من قادة مغراوة الأوائل، واتسعت سلطة أسرته في زمن تراجع قبضة الخلافة.
«... وعظم شأن سلطانهم على البدو من زناتة بالمغرب الأوسط»ابن خلدون، ج7، ص34.
المرابطون: لمتونة ومسوفة ونول وآزكي وطرق الصحراء
نشأت الحركة المرابطية من فضاء صنهاجي صحراوي يربط السوس ودرعة وسجلماسة بطرق السودان. ويعطي الإدريسي والبكري أهم شبكة جغرافية لفهم مواقع نول وآزكي ولمتونة ومسوفة.
الإدريسي: نول وآزكي
يقدم الإدريسي أدق شبكة مسافات بين نول وآزكي وسجلماسة.
«وليس لهم مدينة يأوون إليها إلا مدينة نول لمطة ومدينة آزقى للمطة أيضاً... ومنها إلى سجلماسة ثلاث عشرة مرحلة»الإدريسي، نزهة المشتاق، ج1، ص224.
«وأما مدينة آزكى فإنها من بلاد مسوفة ولمطة وهي أول مراقي الصحراء، ومنها إلى سجلماسة ثلاث عشرة مرحلة، ومنها إلى نول سبع مراحل»الإدريسي، ج1، ص225.
البكري: مسوفة ووادي درعة
أبو عبيد البكري (ت 487هـ/1094م) جغرافي أندلسي جمع أخبار طرق المغرب والسودان.
«وهم بنو مسوّفة من صنهاجة، ليس لهم مدينة يأوون إليها إلا وادي درعة»البكري، المسالك والممالك، ج2، ص837.
لمتونة والصحراء
يصف البكري لمتونة بوصفهم ظواعن رحلاً في مجال واسع بين بلاد الإسلام وبلاد السودان.
«... بني لمتونة ظواعن رحّالة في الصحراء... ويصيفون في موضع يسمى أمطلوس وآخر يسمى تاليوين...»البكري، ج2، ص857.
آزوكي الموريتانية وقرار اليونسكو
تعرّف بعض الأدبيات آزوكي الحالية في أدرار بموريتانيا بمركز مرابطي، بينما تطرح مسافات الإدريسي سؤالاً حول تطابقها التام مع «آزكى» التي يجعلها على سبع مراحل من نول وثلاث عشرة من سجلماسة.
أدرجت موريتانيا «Paysage culturel d'Azougui» في قائمتها التمهيدية سنة 2001. وفي 2005 درست لجنة التراث العالمي ملف «Azougui, Oasis and Almoravid Capital» لكنها أرجأت فحص الترشيح وطلبت ترشيحاً منقحاً بصورة جوهرية، ودراسة مقارنة أوسع، وتفاصيل إضافية عن القيمة العالمية الاستثنائية وخطة الإدارة و«تطور الدولة المرابطية». كما أن طلب مساعدة تحضيرية لاحقاً لمراجعة الملف لم يُعتمد.
الموحدون وعبد المؤمن: كومية والكدية البيضاء
عبد المؤمن بن علي (نحو 1094–1163م) المؤسس الفعلي للدولة الموحدية بعد ابن تومرت. ومسألة انتسابه إلى كومية تحتاج قراءة البيذق بتمامها، لأن الرواية تجمع بين النسب والجوار والحلف.
البيذق وأهمية شهادته
أبو بكر الصنهاجي المعروف بالبيذق من رجال الدعوة الموحدية الأوائل، وكتابه المقتبس من كتاب الأنساب في معرفة الأصحاب من أقرب النصوص إلى جيل عبد المؤمن.
ينقل البيذق أن جد أجداد عبد المؤمن نزل بساحل تلمسان فاراً من بعض الفتن بالأندلس، وجاور مطماطة وإخوة زناتة، ثم نسب ولده إليهم بالجوار والحلف.
الأمير وكنونة والكدية البيضاء
قبل مرحلة الهجرة من الأندلس تحفظ الرواية مرحلة أقدم مرتبطة بالأمير وزوجه كنونة والكدية البيضاء، وهي أساس مهم في تفسير تفرع الأسرة.
«الأمير وزوجه كنونة هو النازل بالكدية البيضاء في الزمان الأول، منها تفرعوا...»البيذق، المقتبس من كتاب الأنساب في معرفة الأصحاب، تحقيق عبد الوهاب بن منصور.
وفي البحث السابق حدد عبد الوهاب بن منصور الكدية البيضاء في مجال قلعية بالريف الشرقي غرب مليلية. ويذكر البكري كذلك «الكدية البيضاء وغساسة» في جغرافية الريف، مع ضرورة الانتباه إلى احتمال تعدد المواضع المتشابهة الاسم.
كومية بين السبب والجوار
صيغة «السبب والجوار» في رواية البيذق تمنع تبسيط انتساب عبد المؤمن إلى كومية في نسب أبوي خطي فقط.
يبقى وصف عبد المؤمن بـ«الكومي» ثابتاً في المصادر، لكن بناء شجرة أسرته القديمة يقتضي الجمع بين الكدية البيضاء، والأمير وكنونة، ثم الهجرة والجوار والحلف.
بنو واسين والمرينيون والزيانيون: المواطن قبل الدولة
بنو واسين من الطبقة الثانية من زناتة عند ابن خلدون، ومنهم بنو مرين وبنو عبد الواد وبنو توجين ومصاب. وتصف النصوص مراحل استقرار وتشعب وانتشار، لا موطناً واحداً ثابتاً لكل الفروع في كل الأزمنة.
جمهور بني واسين
يفتتح ابن خلدون أخبار هذه الطبقة بتحديد الجمهور قبل أن يعرض الفروع الشرقية والغربية.
«وأما جمهورهم فلم يزالوا بالمغرب الأقصى بين ملوية إلى جبل راشد»ابن خلدون، ج7، ص78.
بنو مرين وبنو عبد الواد
في الصفحة التالية تظهر البطون التي ستؤسس الدول الكبرى.
«فمنهم بنو مرين... ومنهم بنو عبد الواد... وكانوا كلهم معروفين بين زناتة الأولى ببني واسين قبل أن تعظم هذه البطون والأفخاذ وتتشعب مع الأيام»ابن خلدون، ج7، ص79.
الانتشار إلى الزاب
بعد تحديد المواطن يصف ابن خلدون انتشار الأحياء في صحراء المغربين حتى الزاب.
«وتشعبت أحياؤهم وبطونهم، وانبسطوا في صحراء المغرب الأقصى والأوسط إلى بلاد الزاب وما إليها من صحارى إفريقية»ابن خلدون، ج7، ص81.
مواطن بني مرين بين وادي زا وملوية
عند افتتاح الفصل الخاص ببني مرين يعود ابن خلدون إلى وضعهم قبل الملك ويقدم قرينة مكانية شديدة الوضوح.
«وربما يشهد بذلك جوار مواطنهم قبل الملك ما بين صا وملويّة»ابن خلدون، ج7، ص221. وفي هامش النسخة: «صا» هو وادي زا.
من فكيك إلى سجلماسة وملوية، والظعن إلى الزاب
يوضح ابن خلدون بعد ذلك مجال القفر الذي كانت تتحرك فيه قبيلة بني مرين قبل قيام الدولة.
«وبقي هذا الحي من بني مرين بمجالات القفر من فيكيك إلى سجلماسة إلى ملويّة. وربما يتخطّون في ظعنهم إلى بلاد الزاب»ابن خلدون، ج7، ص221.
الظعن هو الارتحال بالبيوت والماشية، ولذلك يصف بلوغ الزاب هنا مدى الحركة الرعوية ولا يجعل الزاب موطن الأصل.
بعد ضغط الهلاليين
في القرن الخامس الهجري يصف ابن خلدون انحسار بني واسين من الزاب وإعادة توزيع مواطن القفر.
«وانشمر بنو واسين هؤلاء من بني مرين وعبد الواد وتوجين عن الزاب... إلى مصاب وجبل راشد إلى ملوية فيكيك ثم إلى سجلماسة»ابن خلدون، ج7، ص84.
ثم يجعل لبني مرين الناحية الغربية قبلة المغرب الأقصى إلى ملوية وسجلماسة، ولبني يادين الناحية الشرقية نحو جبل راشد ومصاب.
الوطاسيون: رواية الانتساب إلى لمتونة
الوطاسيون أسرة ارتبطت بالمرينيين ثم حكمت المغرب من فاس. وينقل ابن خلدون رواية خاصة عن نسبهم يجب نقلها بألفاظها كاملة.
«وهم ينتسبون بزعمهم إلى علي بن يوسف أمير لمتونة...»ابن خلدون، ج6، ص533.
لفظة «بزعمهم» جزء جوهري من العبارة؛ فهي تجعل النسب اللمتوني رواية أسرية منقولة لا حكماً نهائياً من ابن خلدون.
السعديون: السوس والاستقلال السياسي وبلاد السودان
نشأت الدولة السعدية في السوس في القرن السادس عشر، ثم سيطرت على مراكش وفاس وواجهت البرتغاليين والضغط العثماني قبل أن تبلغ أوجها في عهد أحمد المنصور.
وادي المخازن
غيّر انتصار 1578 ميزان القوة وأعطى الدولة السعدية وزناً دبلوماسياً كبيراً في أوروبا والبحر المتوسط.
بعد المعركة دخل أحمد المنصور في شبكة علاقات مع إنجلترا وإسبانيا وفرنسا والدولة العثمانية، مستثمراً موقع المغرب المستقل بين القوى المتنافسة.
السودان الغربي
في نهاية القرن السادس عشر أرسل أحمد المنصور حملة عبر الصحراء أسقطت دولة صنغاي وأدخلت تمبكتو وغاو في شبكة سلطة عسكرية ومالية مرتبطة بمراكش.
كان النفوذ متفاوتاً في درجات السيطرة بحسب المنطقة، لكنه يثبت اتساع المجال السياسي المغربي جنوب الصحراء في عهد السعديين.
العلويون: الدبلوماسية ووادي تافنا
مع الدولة العلوية تتكاثر الوثائق الدبلوماسية والمعاهدات والمراسلات، لذلك يصبح قياس المجال السياسي أكثر ارتباطاً بوثائق الدولة نفسها.
مولاي إسماعيل
مولاي إسماعيل حكم بين 1672 و1727، وبنى دولة مركزية قوية دخلت في صدام واتصال دبلوماسي مع إيالة الجزائر والدولة العثمانية والقوى الأوروبية.
أخبار حملاته نحو الشرق والزاب يجب قراءتها في ضوء الفرق بين الغزو العسكري العابر والسيطرة الإدارية المستقرة.
وادي تافنا
في عهد السلطان محمد بن عبد الله استُعمل وادي تافنا في مراسلة سياسية باعتباره خطاً عملياً بين جهة المغرب وجهة إيالة الجزائر في تلك اللحظة.
«وإني أعطيكم ذمة الله وذمة رسوله لا قطعت وادي تافنا إلى ناحيتكم إلا فيما يرضي الله ورسوله»أحمد بن خالد الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، ج7، ص27.
المعاهدات الدولية
المعاهدات المغربية البريطانية في القرن الثامن عشر تضيف دليلاً خارجياً على الشخصية الدولية للدولة العلوية.
تسمي معاهدات 1728 و1751 السلطان صاحب فاس ومراكش/المغرب وتافيلالت وسوس وبلاد الغرب ومجالاتها، وتتعامل مع موانئه ورعاياه ومملكته كوحدة سيادية مستقلة.
الخلاصات العامة
عند جمع النصوص القديمة والوسيطة والنقوش تظهر صورة تاريخية مترابطة لا يمكن اختزالها في شعارات قومية حديثة.
- موريطانيا القديمة مجال سياسي غربي مستقل عن نوميديا في نصوص سالّوست وليفي، مع ملوك موريين مثل باغا وبوكوس.
- Macanitae/Macennites موثقون في بطليموس والمسلك الأنطونيني ونقش وليلي، والربط بمكناسة فرضية تاريخية مدعومة بالاسم والمجال.
- مكناسة الوسيطة يضعها ابن خلدون على وادي ملوية من سجلماسة إلى المصب.
- الزيريون يرتبطون بتلكاتة وصنهاجة، ومناد بن منقوش هو جد الأسرة؛ وخبر المنادية قرب سجلماسة يفتح باباً مهماً لفهم المرحلة السابقة على الدولة.
- المرابطون خرجوا من فضاء صحراوي يربط نول ودرعة وسجلماسة وآزكي بطرق السودان.
- عبد المؤمن كومي في المصادر، لكن رواية البيذق تحتفظ بالأمير وكنونة والكدية البيضاء ثم الهجرة والجوار والحلف.
- بنو واسين جمهورهم بين ملوية وجبل راشد، وبنو مرين قبل الملك بين وادي زا وملوية، ومجال قفرهم من فكيك إلى سجلماسة وملوية، ويصل ظعنهم أحياناً إلى الزاب.
- العاصمة لا تساوي الأصل: حكم تلمسان أو القلعة أو إفريقية لا يجعل ذلك الموضع تلقائياً أصل السلالة، كما أن وجود فروع شرقية لا يمحو المواطن الغربية المذكورة صراحة.
المراجع الأساسية
تجمع هذه القائمة بين المصادر العربية الأصلية والمصادر الكلاسيكية والدراسات الأثرية والإبغرافية.
مصادر عربية
- ابن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر: ج6 ص142، 147، 170، 227، 533؛ ج7 ص34، 66، 78–84، 221.
- الإدريسي، نزهة المشتاق: ج1 ص40، 224–225، 244.
- البكري، المسالك والممالك: ج2 ص837، 857؛ وخبر مناد صاحب المنادية.
- ابن حوقل، صورة الأرض: ج1 ص105.
- ابن عذاري، البيان المغرب: ج2 ص5، وأخبار برغواطة والمنادية.
- أبو بكر المالكي، رياض النفوس: ج1 ص40.
- ابن خرداذبة، المسالك والممالك: ص89.
- الناصري، الاستقصا: ج7 ص27.
- البيذق، المقتبس من كتاب الأنساب في معرفة الأصحاب، تحقيق عبد الوهاب بن منصور، الرباط، 1971.
- صالح بن عبد الحليم الأيلاني، كتاب الأنساب، ضمن ثلاثة نصوص عربية عن البربر في الغرب الإسلامي، تحقيق محمد يعلى، مدريد، 1996.
مصادر كلاسيكية
- Sallust, Bellum Jugurthinum, 18–19.
- Livy, Ab Urbe Condita, 29.30.
- Pliny the Elder, Naturalis Historia, Book V.
- Claudius Ptolemy, Geographia, IV.1.5.
- Justin, Epitome of Pompeius Trogus, Book XXI.
النقوش والدراسات الأثرية
- IAM II 384 = AE 1953, 78: نقش وليلي، 173–175م، Ucmetius أمير Macennites وBaquates.
- Raymond Thouvenot، «Nouvelles inscriptions de Volubilis»، CRAI، 1952.
- J. E. H. Spaul، Studies in the Roman Province of Mauretania Tingitana، Durham University، 1958، A.157 Macennites.
- «Ptolémée et la localisation des tribus de Tingitane»، Mélanges de l'École française de Rome، 1993.