تصوير فني لحصارين تاريخيين على الساحل المتوسطي المغربي
ملف تاريخي موثّق

مجهودات المغرب في استرجاع المدينتين المحتلتين سبتة ومليلية حسب الأرشيف الإسباني

من المواجهة مع البرتغال في القرن الخامس عشر، مرورًا بحصارات سبتة ومليلية في العهدين الإسماعيلي والعلوي، وصولًا إلى المطالبة الدبلوماسية والأممية في القرن العشرين.
الصورة الرئيسية: تركيب توضيحي حديث؛ لا تُستعمل بوصفها وثيقة تاريخية أصلية.

تكشف الأرشيفات الإسبانية والمصادر البرتغالية والأمريكية والأممية أن مجهودات المغرب لاسترجاع سبتة ومليلية تمتد عبر قرون، من المقاومة المبكرة للاحتلال البرتغالي، إلى الحصارات العسكرية الكبرى، ثم إلى المطالبة السياسية والدبلوماسية والتدويل بعد الاستقلال.

1. المرحلة الأولى: من الاحتلال البرتغالي إلى محاولات الاسترجاع المبكرة

بدأت المرحلة الأولى من الصراع على سبتة مع البرتغال. ففي 21 أغسطس 1415 استولى الملك البرتغالي جواو الأول على المدينة، التي كانت آنذاك ضمن المجال المريني. وظلت سبتة تحت السيطرة البرتغالية إلى أن انتقلت رسميًا إلى التاج الإسباني سنة 1668. وتكمن أهمية هذه البداية في أن مقاومة الوجود البرتغالي ومحاولات استرجاع المدينة ظهرت منذ السنوات الأولى بعد الاحتلال، أي قبل قرون من النزاعات السياسية الحديثة حول سبتة ومليلية.

2. سبتة: محاولات الاسترجاع المبكرة في 1418–1419

بعد سنوات قليلة من الاحتلال البرتغالي، تعرضت سبتة لمحاولات حصار واسترجاع من الجانب المغربي، وشاركت قوات غرناطية في إحدى هذه العمليات. ومن أهم الدراسات الحديثة التي عالجت هذه المرحلة دراسة الباحث Vitor Manuel Inácio Pinto بعنوان The Siege of Ceuta (1418–1419)، المنشورة ضمن أعمال أكاديمية حول الحملات الصليبية في إفريقيا.

تعتمد الدراسة بدرجة كبيرة على رواية المؤرخ البرتغالي Gomes Eanes de Zurara في كتابه Crónica do Conde D. Pedro de Meneses، أي «وقائع الكونت بيدرو دي مينيزيس»، أول قائد برتغالي لسبتة بعد احتلالها. وتتناول الاستعدادات المغربية والغَرناطية، والهجمات على المدينة، ووصول النجدة البرتغالية، ثم إصلاح التحصينات بعد القتال.

ما يثبته هذا المصدر: أن مقاومة الاحتلال البرتغالي ومحاولات استرجاع سبتة ظهرت مبكرًا جدًا، بعد بضع سنوات فقط من سنة 1415، ولم تكن مطلبًا سياسيًا مستحدثًا في القرن العشرين.

وتشير الروايات إلى تعاون بين السلطان المريني وإمارة غرناطة في الضغط على المدينة. كما تسجل المصادر البرتغالية أن الحامية بقيادة بيدرو دي مينيزيس تمكنت من الصمود بفضل التحصينات ووصول المدد البحري.

تنبيه توثيقي: يوجد نقاش بين الباحثين حول ما إذا كانت أحداث 1418 و1419 تمثل حصارًا واحدًا ممتدًا أم حصارين منفصلين. دراسة Pinto تتبنى وجود حصارين، كما تحذر من التعامل الحرفي مع الأرقام الضخمة التي توردها بعض الروايات الوسيطة عن أعداد الجيوش.

للاطلاع على الدراسة: The Siege of Ceuta (1418–1419). وتؤكد مراجع تاريخية لاحقة أن حصار 1419 شارك فيه المرينيون بدعم غرناطي.

3. سنة 1437: استرجاع سبتة كشرط لإنقاذ الجيش البرتغالي في طنجة

في سنة 1437 حاول البرتغاليون توسيع وجودهم في شمال المغرب عبر مهاجمة طنجة، لكن الحملة انتهت بكارثة عسكرية. وبعد أن حاصرت القوات المغربية المعسكر البرتغالي وقطعت عنه الإمدادات، اضطر الأمير إنريكي إلى قبول شروط الانسحاب.

أهم بند في الاتفاق كان التزام البرتغال بتسليم سبتة إلى المرينيين مقابل السماح للقوة البرتغالية المحاصَرة بالانسحاب إلى سفنها. ولضمان تنفيذ الاتفاق، بقي الأمير فرناندو، شقيق إنريكي، رهينة لدى المغاربة إلى حين إعادة سبتة.

غير أن البرتغال لم تنفذ بند تسليم سبتة، واستمرت بعد ذلك المفاوضات حول مبادلتها بالأمير الأسير. وتورد روايات المؤرخ البرتغالي Rui de Pina، إضافة إلى شهادة Frei João Álvares، تفاصيل الأسر والمفاوضات. وتشير مراجع حديثة إلى أن نسخة من اتفاق 17 أكتوبر 1437 محفوظة في Monumenta Henricina، المجلد السادس، ص. 211.

تصحيح توثيقي مهم: بعد التحقق، توجد إحالة حديثة إلى نسخة من معاهدة 17 أكتوبر 1437 في Monumenta Henricina، ج. 6، ص. 211؛ لذلك فالأدق ألا نقول إن الاتفاق معروف فقط من الروايات، بل إن نصًا منقولًا للاتفاق محفوظ ضمن هذه المجموعة الوثائقية، مع بقاء التمييز قائمًا بين النسخة المنشورة والأصل المادي للعقد نفسه.

يعرض مؤلف أكاديمي صادر عن جامعة كامبريدج أن إنريكي اضطر إلى التعهد بتسليم سبتة مقابل المرور الآمن، مع إبقاء فرناندو رهينة لدى المرينيين.

4. سبتة: حصار مولاي إسماعيل بين 1694 و1727

يوفر عرض أكاديمي قدمه الباحث José Francisco Montes de la Vega في ملتقى IBERCARTO سنة 2022 مجموعة خرائط عسكرية إسبانية عن سبتة. وفي الصفحة 5 يعرض نقشًا بعنوان صريح:

“Grabado del Cerco de Ceuta de Mulay Ismael de 1694 a 1727.”
«نقش لحصار سبتة الذي فرضه مولاي إسماعيل من 1694 إلى 1727».

القيمة الوثائقية لهذا التعليق أنه يربط الحصار مباشرة بمولاي إسماعيل ويحدد له الإطار الزمني 1694–1727. أما الرسم نفسه فيُظهر خطوطًا وأعمالًا عسكرية أمام الجبهة البرية للمدينة، لكنه لا يسمح وحده بحساب أعداد الجنود أو المدافع، ولا يثبت أن القتال كان متواصلًا بالحدة نفسها طوال ثلاثة عقود.

نقش تاريخي لحصار سبتة في عهد مولاي إسماعيل
نقش حصار سبتة في عهد مولاي إسماعيل، كما أورده عرض IBERCARTO، ص. 5، ونسبه إلى الأرشيف العام لسبتة.
قبل الحصار — ص. 6:
خريطة تحصينات سبتة سنة 1691، المحفوظة في الأرشيف العسكري العام بمدريد تحت الرمز APA-6-43. وهي تؤكد أن المهاجمين واجهوا أصلًا جبهة برية محصنة.
أثناء الحصار — ص. 4:
مخطط سنة 1717 بعنوان Plano de Zeuta y su Almina...، محفوظ تحت الرمز bis-T.5-C.1-1، ويكشف تتابع الدفاعات والخندق والمنشآت داخل المدينة.
جبهة الهجوم — ص. 7:
مخطط للجبهة المواجهة للهجوم مع مشروع تعديل التحصينات، تحت الرمز Ar.G bis-T.5-C.1-44.

هذه الخرائط تساعد على تفسير طول الحصار: سبتة شبه جزيرة ضيقة الاتصال بالبر، ما يسمح للمدافعين بتركيز التحصينات في جبهة محدودة، مع بقاء منفذ بحري يمكن أن يساهم في الإمداد. لكن إثبات تفاصيل التموين خلال كل مرحلة يحتاج إلى مراسلات بحرية وعسكرية مستقلة، لا إلى الخرائط وحدها.

5. مليلية 1774–1775: السلطان يقود الحملة بنفسه

المصدر الأقوى هنا مخطوط إسباني من القرن الثامن عشر، مفهرس في المكتبة الرقمية لإقليم مدريد ضمن مجموعة مؤسسة Lázaro Galdiano. عنوانه يؤرخ الحصار من 9 ديسمبر 1774 إلى 16 مارس 1775، وهو التاريخ الذي يذكره المخطوط لرفع المعسكر.

الدليل الأول — ص. 9: عنوان المخطوط نفسه ينسب الحصار إلى «إمبراطور المغرب»، ويحدد بدايته في 9 ديسمبر 1774 ورفع المعسكر في 16 مارس 1775. لذلك ينبغي الحفاظ على هذا التاريخ عند الاستشهاد بالمخطوط، مع التنبيه إلى أن مراجع لاحقة تؤرخ نهاية العمليات في 19 مارس.

ثم تأتي شهادة أكثر مباشرة في يوميات 9 ديسمبر، الصفحة 11:

“el Ejército del Emperador mandado por su misma Persona”
«جيش الإمبراطور بقيادته شخصيًا».

هذه العبارة مهمة لأنها تصف الحملة بوصفها عملية يقودها رأس الدولة المغربية نفسه، لا مجرد غارة محلية أو تحرك قبلي على أطراف مليلية.

6. المطالبة بإخلاء المدينة: «لأن تلك الأرض كانت لإمبراطوره»

في أحداث 10 ديسمبر 1774، الصفحتين 13–14، يروي المصدر وصول مبعوث تحت راية هدنة، ومعه موكب كبير من الفرسان. ونقل المبعوث ثلاثة خيارات: إخلاء المدينة وعودة الحامية إلى إسبانيا، أو التفاوض على الاستسلام، أو التسليم دون شروط.

“pues aquel territorio hera del emperador su Amo”
«لأن تلك الأرض كانت لإمبراطوره، سيده».

هذه العبارة توثّق موقف المبعوث المغربي كما سجله مصدر من جهة المدافعين الإسبان: الحملة لم تُقدَّم فقط باعتبارها عملية عسكرية، بل ارتبطت بمطالبة سياسية بالأرض. ومن الضروري منهجيًا القول إن النص ينقل حجة الجانب المغربي؛ ولا يعني ذلك أن الكاتب الإسباني تبنّاها.

7. المدفعية المغربية والقصف

في الصفحة 13 يذكر المصدر إنشاء بطارية هاون عند سان لورينزو، وبدء القصف وإلحاق أضرار بمبانٍ داخل المدينة. كما يسجل ملاحظة لافتة:

“Su Artillería la manejaban y dirigían con mucho acierto.”
«كانوا يشغّلون مدفعيتهم ويوجّهونها بمهارة كبيرة».

وتضيف مراسلة إسبانية مؤرخة في سبتة يوم 11 يناير 1775، في الصفحتين 178–179، أرقامًا مرحلية للحصار:

المعطىما تذكره المراسلة
القذائف2,159 قذيفة متفجرة أُطلقت على المدينة حتى التاريخ الذي كانت قد وصلت إليه الأخبار.
المدفعية المغربية32 هاونًا موزعة على أربع بطاريات، ثمانية في كل واحدة.
الاحتماء من القصفاستعمال الضباط والجنود كهوفًا وممرات محمية تحت الأرض.
أعمال الاقترابتقدم خنادق وحفريات باتجاه التحصينات.

هذه أرقام وردت في مراسلة إسبانية داخل مجموعة الوثائق، وليست حصيلة نهائية مؤكدة لكل أيام الحصار.

8. لماذا استمرت مليلية في المقاومة؟

تظهر الصفحات المتاحة أن عنصر الإمداد البحري كان شديد الأهمية. فالصفحة 15 تسجل طلبًا عاجلًا إلى مالقة لإرسال جنود ومدفعية وذخيرة ومعدات. وفي الصفحة 179 تذكر المراسلة أكثر من أربعين مركبًا تحمل مؤنًا ومهمات، إضافة إلى سفن أخرى.

وتؤكد دراسة منشورة في مجلة Revista Ejército أن وصول الإمدادات من مالقة استمر، وأن إسبانيا استخدمت قوة بحرية لمنع وصول دعم خارجي إلى الساحل المغربي. كما تذكر الدراسة استمرار القصف المغربي وحرب الألغام إلى فبراير 1775. وهذا يجعل استمرار خط التموين البحري عاملًا مهمًا لفهم بقاء الحامية، دون اختزاله بوصفه السبب الوحيد.

9. «عدم وفاء الجزائريين بوعد محاصرة وهران»: ماذا يعني؟

في وثيقة لاحقة مؤرخة في 31 مايو 1775، تبدأ في الصفحة 183، يرد خبر استقبال وفد مغربي ومناقشة الصلح. وفي الصفحة 185 تنسب الرواية الإسبانية إلى الجانب المغربي عدة أسباب لرفع المعسكر، من بينها عدم وفاء الجزائريين بوعد محاصرة وهران.

الوثيقة الأصلية: يوميات حصار مليلية (1774–1775)

هذه هي بطاقة المخطوط الإسباني الذي ترد ضمنه وثيقة 31 مايو 1775. يمكن الرجوع إلى النسخة الرقمية الكاملة والتحقق من المقطع في الصفحتين 183–185، ولا سيما الصفحة 185.

العنوان الأصلي
Diario de todo lo ocurrido en el sitio, que el Emperador de Marruecos puso a la Plaza de Melilla el día 9 de diciembre de 1774 hasta el 16 de marzo de 1775 en que levantó el campo; con expresión de los progresos hechos por una y otra parte.
تاريخ الوثيقة
القرن الثامن عشر
الوصف المادي
90 ورقة، 22 × 17 سم
مكان الحفظ
مؤسسة لازارو غالديانو، ضمن المكتبة الرقمية لإقليم مدريد
رقم الحفظ
M 1-1-21 [I. 14964]
الموضع المعتمد
ص. 183–185؛ خبر الوفد المغربي ومباحثات الصلح وأسباب رفع المعسكر كما تنقلها الرواية الإسبانية

الوثيقة من الملك العام بحسب بطاقة المكتبة. وإذا تعذر فتح رابط النسخة الرقمية مباشرة، تُفتح بطاقة المخطوط أولًا ثم يُختار «Fichero PDF».

درجة الدليل: هذه المعلومة ليست أمرًا عسكريًا جزائريًا محفوظًا لدينا، ولا اتفاقًا ثنائيًا مغربيًا-جزائريًا منشورًا في الملف؛ بل هي نقل إسباني لاحق لمحادثة دبلوماسية مع وفد مغربي. لذلك يجب عرضها باعتبارها شهادة منقولة تحتاج إلى تأييد مستقل من أرشيف الجزائر أو مراسلات المغرب.

هل توجد قرائن على أن وهران كانت أصلًا جزءًا من التخطيط؟

نعم، توجد قرينة مستقلة مهمة. ففي مصدر تاريخي إسباني صادر عن معهد التاريخ والثقافة البحرية، يُلخَّص خطاب سيدي محمد بن عبد الله إلى كارلوس الثالث بتاريخ 19 سبتمبر 1774 بأنه أبلغ الملك الإسباني عزمه، استجابة لرغبات رعاياه وباي الجزائر، على استرجاع المواقع التي كان يحتلها المسيحيون على ساحل بلاد المغرب «من سبتة إلى وهران». كما تظهر وثائق الاستعداد الإسباني أن مدريد أمرت بتعزيز سبتة ووهران ومليلية تحسبًا لهجمات متزامنة أو متتابعة.

هذه القرائن تجعل حديث الصفحة 185 عن «وعد محاصرة وهران» متسقًا مع سياق استراتيجي أوسع: الضغط على عدة مواقع إسبانية في شمال إفريقيا في الوقت نفسه. لكنها لا تثبت نص الوعد ولا شروطه ولا الجهة الجزائرية التي التزمت به.

ما الأثر العسكري المحتمل لعدم فتح جبهة وهران؟

إذا كان التنسيق المقصود بالفعل يقوم على فتح جبهتين، فإن عدم تحرك جبهة وهران كان يمكن أن يترك لإسبانيا قدرة أكبر على تركيز الاهتمام والموارد على مليلية والمواقع الأخرى. هذا استنتاج استراتيجي معقول، لكنه لا يجوز تحويله إلى سبب وحيد لفشل الحصار. فالمصادر نفسها تشير أيضًا إلى قوة التحصينات، واستمرار الإمداد البحري، وتعزيز الحامية، والقدرة الإسبانية على إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة.

هل يعني ذلك أن الجزائر وقفت مع إسبانيا؟

لا. عدم تنفيذ حصار وهران — إن صح النقل — لا يساوي التحالف مع إسبانيا. فالعلاقات بين إسبانيا وإيالة الجزائر بقيت عدائية، وفي العام نفسه 1775 أرسلت إسبانيا حملة عسكرية كبيرة ضد الجزائر. لذلك الأدق هو الحديث عن فشل أو عدم اكتمال تنسيق مفترض، لا عن انتقال الجزائر إلى المعسكر الإسباني.

10. مولاي اليزيد: حصار جديد لسبتة، 1790–1791

تجددت محاولة الاسترجاع العسكري في عهد مولاي اليزيد، حيث تعرضت سبتة لحصار وقصف خلال سنتي 1790–1791، بالتوازي مع مفاوضات دبلوماسية بين المغرب وإسبانيا. ولم تنتهِ الحملة باسترجاع المدينة، لكنها تؤكد استمرار الملف عسكريًا بعد حصار مولاي إسماعيل وبعد حملة مليلية في عهد سيدي محمد بن عبد الله.

المرجع المتخصص: Antonio Carmona Portillo، Las relaciones hispano-marroquíes a finales del siglo XVIII y el cerco de Ceuta de 1790–1791: historia militar y diplomática، مالقة: Editorial Sarriá، 2004، ISBN: 84-95129-90-6.

يتناول الكتاب الظروف العسكرية والدبلوماسية للحصار، ويشكّل مرجعًا متخصصًا لفهم العلاقة بين القتال والمفاوضات في نهاية القرن الثامن عشر. وبما أن النص الكامل للكتاب غير متاح هنا، فلا ننسب إليه اقتباسات حرفية أو أرقامًا تفصيلية للخسائر دون تحقق مباشر.

الفهرسة الجامعية للكتاب — وصف محتوى الكتاب.

11. بعد الاستقلال: انتقال المطالبة إلى العمل الدبلوماسي

بعد استقلال المغرب سنة 1956، انتقل الملف تدريجيًا من محاولات الاسترجاع العسكري إلى المطالبة السياسية والدبلوماسية. وتظهر وثائق أمريكية وإسبانية أن سبتة ومليلية بقيتا ضمن القضايا التي طرحها المغرب رسميًا في علاقاته الخارجية.

تسجل وثيقة استخباراتية أمريكية مؤرخة في 6 سبتمبر 1974 أن المغرب، منذ استقلاله، طالب بالممتلكات الإسبانية الواقعة في شمال غرب إفريقيا. وتضع الوثيقة سبتة ومليلية ضمن هذا السياق، كما تشير إلى إرسال قوات مغربية إضافية إلى قرب المدينتين سنة 1974 في خضم أزمة الصحراء.

قيمة الوثيقة: هي شهادة رسمية أمريكية على وجود المطالبة والضغط المغربيين، لكنها ليست اعترافًا أمريكيًا بسيادة المغرب على المدينتين.

المرجع: FRUS، 1969–1976، المجلد E–9، الجزء الأول، الوثيقة 87، خصوصًا الفقرتين 7 و38. فتح النص الكامل في أرشيف وزارة الخارجية الأمريكية.

كما توثق دراسة إسبانية تصريحات الملك الحسن الثاني في مؤتمر عدم الانحياز ببلغراد سنة 1961 بشأن استمرار الوجود الإسباني في سبتة ومليلية، وإثارة المغرب للموضوع في المحافل الدولية خلال الستينيات.

الدراسة وإحالاتها إلى الوثائق والخطب.

12. سنة 1975: مطالبة رسمية أمام لجنة تصفية الاستعمار

من أهم الوثائق المباشرة في المسار الدبلوماسي المغربي رسالة مؤرخة في 27 يناير 1975، تحمل الرمز:

A/AC.109/475

وهي رسالة من الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة إلى رئيس اللجنة الخاصة بتصفية الاستعمار. ووفق الفهرس الرسمي للأمم المتحدة، طلب المغرب إدراج المواقع التالية ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي:

ما تثبته الوثيقة: أن المغرب اتخذ إجراءً دبلوماسيًا رسميًا لتدويل مطلبه أمام لجنة تصفية الاستعمار.
ما لا تثبته: الرسالة المغربية ليست قرارًا صادرًا عن الأمم المتحدة بإعادة المدينتين، ولا تعني أن المنظمة تبنت تلقائيًا الموقف المغربي.

السجل الرسمي للرسالة لدى الأمم المتحدة.

ولفهم النقاش القانوني وحدود هذا المسار، يمكن الرجوع إلى دراسة Jamie Trinidad بعنوان An Evaluation of Morocco’s Claims to Spain’s Remaining Territories in Africa، المنشورة في International & Comparative Law Quarterly، المجلد 61، العدد 4، سنة 2012، ص. 961–975. وهي دراسة نقدية للمطالب المغربية، ولذلك تفيد في اختبار الحجج القانونية المقابلة.

فتح الدراسة.

13. سنة 1987: اقتراح الحسن الثاني إنشاء «خلية تفكير» مشتركة

في 23 يناير 1987 اقترح الملك الحسن الثاني على إسبانيا إنشاء «خلية تفكير» مشتركة حول سبتة ومليلية. وتؤكد تغطية صحفية إسبانية معاصرة أن وزارة الإعلام المغربية أدرجت الاقتراح ضمن أبرز أحداث البلاد في منشورها الرسمي المملكة المغربية: حقائق وأرقام، 1987.

تكمن أهمية هذه المبادرة في أنها تعكس انتقال الملف إلى مقاربة سياسية ودبلوماسية قائمة على فتح قناة تفكير ومناقشة مشتركة، من دون أن يعني ذلك قبول إسبانيا بالتفاوض على نقل السيادة.

تغطية صحيفة El País بتاريخ 14 يونيو 1987.

14. خلاصة المسار التاريخي

تُظهر المصادر المجمعة في هذا البحث أن مسألة سبتة ومليلية مرت عبر مراحل متعددة: مقاومة مبكرة للاحتلال البرتغالي في القرن الخامس عشر، محاولات عسكرية متكررة في العهدين المريني والعلوي، حصارات كبرى في القرنين السابع عشر والثامن عشر، ثم انتقال تدريجي بعد استقلال المغرب إلى العمل الدبلوماسي، والضغط السياسي، وطرح الملف في الأمم المتحدة والمحافل الدولية.

الصياغة التي تسندها الأدلة: شهدت سبتة ومليلية محاولات مغربية متكررة للاسترجاع اتخذت صور الحصار والقتال والتفاوض والمطالبة الدبلوماسية والتدويل. أما القول بوجود حرب متواصلة دون انقطاع منذ الاحتلال، أو وجود قرار أممي بإعادة المدينتين، فلا تثبته المصادر المعروضة.

15. خط زمني مختصر

1415: احتلال البرتغال لسبتة.

1418–1419: محاولات حصار واسترجاع مبكرة بمشاركة مغربية وغرناطية بحسب المصادر البرتغالية والدراسات الحديثة.

1437: بعد فشل الحملة البرتغالية على طنجة، التزام إنريكي بتسليم سبتة مقابل انسحاب الجيش البرتغالي، وبقاء الأمير فرناندو رهينة لضمان التنفيذ.

1691: خريطة إسبانية توثق تحصينات سبتة قبل بدء الحصار.

1790–1791: حصار جديد لسبتة في عهد مولاي اليزيد، بالتوازي مع مفاوضات دبلوماسية مع إسبانيا.

1956 وما بعده: انتقال الملف تدريجيًا إلى العمل السياسي والدبلوماسي بعد استقلال المغرب.

1961: تصريحات الحسن الثاني في مؤتمر بلغراد ضمن سياق المطالبة بإنهاء الوجود الإسباني في سبتة ومليلية.

1974: وثيقة أمريكية ترصد استمرار المطالبة المغربية وتحركات عسكرية قرب المدينتين.

27 يناير 1975: الرسالة المغربية A/AC.109/475 إلى لجنة تصفية الاستعمار بالأمم المتحدة.

23 يناير 1987: اقتراح الحسن الثاني إنشاء «خلية تفكير» مشتركة مع إسبانيا حول سبتة ومليلية.

1694–1727: حصار سبتة في عهد مولاي إسماعيل، كما يسجله نقش الأرشيف العام لسبتة.

1717: خريطة عسكرية تفصيلية لسبتة داخل فترة الحصار.

19 سبتمبر 1774: رسالة سيدي محمد بن عبد الله إلى كارلوس الثالث في سياق فتح العمليات البرية.

9 ديسمبر 1774: وصول جيش السلطان إلى مليلية وبدء الحصار.

10 ديسمبر 1774: مبعوث مغربي يطالب بإخلاء المدينة أو الاستسلام، مع تبرير مرتبط بملكية الأرض.

11 يناير 1775: مراسلة إسبانية تسجل 32 هاونًا و2,159 قذيفة حتى مرحلة من الحصار.

16 مارس 1775: التاريخ الذي يسجله عنوان المخطوط لرفع المعسكر.

31 مايو 1775: محادثات لاحقة؛ وفي ص. 185 يظهر ذكر عدم وفاء الجزائريين بوعد محاصرة وهران.

16. الخلاصة

تجمع الوثائق الإسبانية المستخدمة هنا بين نوعين من الأدلة. في حالة سبتة، لدينا خرائط عسكرية ونقش محفوظ في مؤسسات إسبانية يثبت وجود حصار طويل منسوب إلى مولاي إسماعيل. وفي حالة مليلية، لدينا يوميات ومراسلات أكثر تفصيلًا تصف حضور السلطان سيدي محمد بن عبد الله شخصيًا، وتوثق مطالبة بإخلاء المدينة، وقصفًا كثيفًا، وأعمال خنادق، ثم مفاوضات ما بعد الحصار.

أما مسألة عدم محاصرة وهران فهي من أكثر النقاط إثارة، لأنها توحي بخطة ضغط إقليمي أوسع من مليلية وحدها. لكنها، وفق المادة المتاحة، تبقى رواية دبلوماسية منقولة تحتاج إلى وثيقة جزائرية أو مغربية مستقلة لتثبيت طبيعة الوعد. وما يمكن قوله بثقة هو أن وهران كانت ضمن الحسابات العسكرية سنة 1774، وأن إسبانيا نفسها تعاملت مع احتمال فتح جبهة جزائرية هناك بجدية.

المصادر والمراجع

  1. José Francisco Montes de la Vega، El desarrollo urbano de Ceuta a través de su cartografía histórica، X IBERCARTO، مدريد، 24–25 مارس 2022. انظر خصوصًا ص. 4–8، وبالأخص ص. 5 لنقش حصار مولاي إسماعيل. فتح المصدر الأصلي.
  2. مخطوط حصار مليلية 1774–1775، مكتبة مدريد الرقمية، مجموعة Fundación Lázaro Galdiano. انظر الصفحات الرقمية 9، 11، 13–15، 178–179، 183–185. بطاقة المخطوط الأصلية.
  3. Francisco Sebastián de Miranda، El sitio de Melilla de 1774 a 1775، طبعة 1939؛ يوميات الهجوم والدفاع عن مليلية في مواجهة جيش سلطان المغرب «بقيادته شخصيًا».
  4. Ramón Lourido Díaz، El armamento y la asistencia técnica militar europea en el asedio marroquí de Melilla (1774–1775)، Revista de Historia Militar، ع. 32، 1972، ص. 123–144؛ وEstrategia militar y diplomática previa al asedio de Melilla, 1774–75، ع. 36، 1974، ص. 7–37. دليل ببليوغرافي للحصار.
  5. Revista Ejército، العدد 876، أبريل 2014، مادة تاريخية عن حصار مليلية، تتناول الإمدادات البحرية واستمرار القصف حتى فبراير 1775. فتح العدد.
  6. Instituto de Historia y Cultura Naval، فصل «Jornada de Argel 1774–1775»، يتضمن عرضًا لرسالة السلطان سيدي محمد بن عبد الله إلى كارلوس الثالث وسياق سبتة–وهران. فتح المجلد.
  7. Biblioteca Pública de Melilla، دليل تاريخي وببليوغرافي عن حصار 1774–1775، يعرّف بيوميات Miranda وغيرها من المصادر الأولية. فتح الدليل.
  8. Vitor Manuel Inácio Pinto، The Siege of Ceuta (1418–1419)، دراسة عن حصاري سبتة المبكرين، اعتمادًا على Zurara ومصادر برتغالية. فتح الدراسة.
  9. Gomes Eanes de Zurara، Crónica do Conde D. Pedro de Meneses، المصدر البرتغالي الأساسي لأحداث سبتة في المرحلة الأولى من الاحتلال البرتغالي.
  10. Monumenta Henricina، المجلد السادس، ص. 211، إحالة إلى اتفاق 17 أكتوبر 1437 المتعلق بانسحاب البرتغاليين من طنجة والتعهد بتسليم سبتة.
  11. A. R. Disney، A History of Portugal and the Portuguese Empire، Cambridge University Press؛ يعرض أن إنريكي تعهد بتسليم سبتة مقابل المرور الآمن، مع إبقاء الأمير فرناندو رهينة. فتح مقتطف كامبريدج.
  12. Antonio Carmona Portillo، Las relaciones hispano-marroquíes a finales del siglo XVIII y el cerco de Ceuta de 1790–1791: historia militar y diplomática، Editorial Sarriá، 2004، ISBN 84-95129-90-6. الفهرسة الجامعية.
  13. FRUS 1969–1976، المجلد E–9، الجزء الأول، الوثيقة 87، 6 سبتمبر 1974، خصوصًا الفقرتين 7 و38. أرشيف وزارة الخارجية الأمريكية.
  14. الأمم المتحدة، الوثيقة A/AC.109/475، رسالة مؤرخة في 27 يناير 1975 من الممثل الدائم للمغرب إلى رئيس اللجنة الخاصة بتصفية الاستعمار. السجل الرسمي.
  15. Jamie Trinidad، “An Evaluation of Morocco’s Claims to Spain’s Remaining Territories in Africa”، International & Comparative Law Quarterly، 61(4)، 2012، ص. 961–975. الدراسة.
  16. El País، 14 يونيو 1987، تغطية للاقتراح المغربي بإنشاء «خلية تفكير» حول سبتة ومليلية. فتح المقال.
اقتراح للنشر على بوابة: يمكن استعمال الصورة الرئيسية كغلاف بصري للمقال، على أن يبقى التعليق واضحًا بأنها صورة توضيحية حديثة. أما نقش سبتة فينبغي تقديمه بوصفه وثيقة أرشيفية كما في مصدر IBERCARTO، مع ذكر الصفحة والأرشيف.