مقدمة
تحاول الرواية الرسمية الجزائرية أن تكرّس في الوعي الداخلي صورة الجيش الوطني الشعبي باعتباره الامتداد المباشر لـ«جيش التحرير الوطني». غير أن العودة إلى الوثائق والمراجع والشهادات المتعلقة بمرحلة الاستقلال تكشف واقعاً أكثر تعقيداً.
فالسؤال الجوهري هو: من كان يمتلك فعلياً الخبرة العسكرية الحديثة؟ من ساهم في إعادة تنظيم جيش الحدود وفق أساليب الجيوش النظامية؟ من أنشأ وأدار المكاتب التقنية؟ ومن تولّى، بعد 1962، مواقع شديدة الحساسية داخل وزارة الدفاع، مثل الأمانة العامة، ومديرية المستخدمين، والطيران، والنقل، والهندسة والمدرعات؟
تشير شهادات ودراسات متعددة إلى الدور الكبير لضباط الجيش الفرنسي، الذين التحقوا لاحقاً بجيش التحرير أو بمؤسسات الدولة الناشئة. وتمكنوا من احتلال مواقع مركزية داخل المؤسسة العسكرية بعد الاستقلال وبالتالي السيطرة على الحكم.
وهنا تظهر المفارقة: فبينما جرى تقديم النظام الجديد باعتباره ثمرة مباشرة لثوار الداخل وجيش التحرير، شهدت مرحلة ما بعد الاستقلال إقصاءً واغتيال عدد من قادة الثورة التاريخيين، في مقابل صعود شبكة الضباط سليلي الجيش الفرنسي إلى مواقع النفوذ داخل الجيش والدولة.
ومن ثم، فإن دراسة تشكل المؤسسة العسكرية الجزائرية بعد 1962 لا يمكن اختزالها في عبارة «سليل جيش التحرير»، بل تستوجب أيضاً البحث في الدور الذي لعبه الضباط القادمون من الجيش الفرنسي في إعادة بناء الجيش النظامي، وفي إدارة مفاصل وزارة الدفاع، وفي تكوين البنية العسكرية والسياسية التي ستطبع النظام الجزائري لعقود لاحقة.
عبد الحميد الإبراهيمي: شاهد من داخل الثورة والحكم
في كتابه Aux origines de la tragédie algérienne (1958–2000) — Témoignage sur Hizb França لا ينطلق الإبراهيمي من خطاب عام عن النفوذ الفرنسي؛ بل من أسماء ومسارات وترقيات. ويطلق على الشبكة التي يعتقد أنها تمكنت تدريجياً من مفاصل الدولة تسمية «حزب فرنسا».
أهمية شهادته لا تعود فقط إلى المنصب الذي بلغه لاحقاً، بل إلى أنه عاش مرحلة بناء جيش الحدود وهيئة الأركان، ثم عرف الدولة من الداخل. ولهذا تكون الصفحة 44 من كتابه نقطة ارتكاز حقيقية: فهي تربط بين لحظة دخول مجموعة من العسكريين القادمين من الجيش الفرنسي وبين مواقعهم اللاحقة داخل وزارة الدفاع.
المرجع المركزي
Abdelhamid Brahimi, Aux origines de la tragédie algérienne (1958–2000), Témoignage sur Hizb França, 2000.
كلام عبد الحميد الإبراهيمي: النص الذي يحدد موضوع الورقة
في المبحث المخصص لـ«أهداف الوافدين الجزائريين من الجيش الفرنسي»، يميز الإبراهيمي بين من التحق مباشرة بوحدات جيش التحرير وقاتل فيها، وبين المجموعات التي اتجهت إلى قيادة FLN في الخارج، وخصوصاً في تونس، منذ 1957 ثم بوتيرة أوضح من 1958.
«يسمح تتبع دور وترقية وصعود نحو أربعين من “القادمين” الجزائريين من الجيش الفرنسي، الذين التحقوا بقيادة FLN في الخارج ثم أدّوا دوراً حاسماً داخل وزارة الدفاع، بفهم حجم الخطة التي أعدتها فرنسا وأهدافها.»
عبد الحميد الإبراهيمي، ص. 44 — ترجمة عربية لمعنى النص الفرنسي.ثم يأتي في الصفحة نفسها ما يحسم اتجاه تفسيره:
«كان الهدف إعداد هؤلاء للسيطرة على الجيش الجزائري المستقبلي وقيادته بعد الاستقلال.»
عبد الحميد الإبراهيمي، ص. 44 — ترجمة لعبارة: Il s’agissait de préparer les “déserteurs” de l’armée française pour contrôler et diriger la future armée algérienne après l’indépendance.إذن فالموضوع عند الإبراهيمي ليس «ماضي» هؤلاء فقط، بل نتيجة المسار. فلو دخلوا الثورة ثم ذابوا في آلاف المقاتلين لما كانت للقضية الدلالة نفسها؛ لكن حجته تقوم على أنهم دخلوا من باب الخبرة، ثم ترقوا، ثم احتلوا مراكز محددة تتحكم في المؤسسة.
«نحو أربعين»: من الجيش الفرنسي إلى قيادة FLN في الخارج
في الصفحات التالية يبدأ الإبراهيمي بتسمية بعض عناصر المسار. يذكر من موجة 1957 بن عبد المؤمن، مولود إيدير، محمد زرقيني، بوعنان، محمد بوتلة، عبد القادر شابو وسليمان هوفمان. وتظهر لاحقاً أسماء مثل العربي بلخير، مصطفى شلوفي، عبد المالك قنايزية، لحبيب خليل، رشيد مدوني، خالد نزار وسليم سعدي.
| الاسم | الخلفية التي تهم البحث | الموقع أو الأهمية اللاحقة |
|---|---|---|
| محمد زرقيني | قادم من الجيش الفرنسي إلى FLN في الخارج | المكتب التقني ثم تنسيق الأسلحة والمناطق |
| سليمان هوفمان | تكوين فرنسي في الفرسان/المدرعات | المكتب التقني ومسؤوليات مركزية |
| محمد بوتلة | من القادمين من الجيش الفرنسي | عضو المكتب التقني |
| عبد القادر شابو | التحق بقيادة FLN في الخارج | الأمين العام لوزارة الدفاع |
| العربي بلخير | من جيل القادمين في نهاية الخمسينيات | نفوذ داخل الجيش والرئاسة والأمن |
| خالد نزار | خدمة في الجيش الفرنسي ثم التحاق بالثورة | رئيس الأركان ثم وزير الدفاع |
| مصطفى شلوفي | من القادمين من الجيش الفرنسي | مواقع مركزية ثم الأمانة العامة لوزارة الدفاع |
| عبد المالك قنايزية | خدمة سابقة في الجيش الفرنسي | رئيس الأركان سنة 1990 |
الدلالة ليست في أن هؤلاء جميعاً تحركوا كتلة واحدة منذ اليوم الأول، بل في أن الإبراهيمي يقترح قياس المسار عبر النسبة بين العدد المحدود والمواقع التي انتهوا إليها.
الطاهر الزبيري: حتى داخل الثورة كانت هناك فئات مختلفة من «ضباط فرنسا»
المصدر الجديد يضيف شهادة قائد الأركان الأسبق الطاهر الزبيري، الذي يقسم الضباط المرتبطين بالجيش الفرنسي إلى فئات: من أدوا الخدمة العسكرية فيه، ومن التحقوا بالثورة في بدايتها بين 1955 و1957، ثم الضباط الوافدون الذين قدموا من الخارج والتحقوا على الحدود منذ 1958، وأخيراً «المارسيون» الذين التحقوا بعد وقف إطلاق النار في مارس 1962.
هذه الشهادة مهمة لأنها تلتقي مباشرة مع تقسيم الإبراهيمي: ليست كل الحالات واحدة. والمجموعة التي تعنينا في ص.44 هي بالأساس تلك التي جاءت من الخارج إلى قيادة الثورة ثم ظهرت في مركز الجهاز العسكري.
خالد نزار: رقم 15 ألفاً يوسع قاعدة الظاهرة
يفيد المرجع المرفق بأن خالد نزار، وهو نفسه أحد أشهر القادمين من الجيش الفرنسي ثم أحد أقوى رجال المؤسسة لاحقاً، تحدث في لقاء تلفزيوني سنة 2012 عن 15 ألفاً من الوافدين من الجيش الفرنسي.
هذا الرقم لا يناقض «نحو أربعين» عند الإبراهيمي، لأن الإبراهيمي لا يقول إن الأربعين هم كل من غادر الجيش الفرنسي؛ بل يركز على نحو أربعين مساراً يراها مفصلية في الترقية والصعود ووزارة الدفاع. أي أن العدد الأكبر يمثل الخزان البشري، بينما الأربعون يمثلون، في أطروحته، النواة التي تستحق تتبعاً سياسياً.
خطة إيدير والمكتب التقني: من الوافد إلى صانع التنظيم
يتتبع الإبراهيمي إعادة تنظيم جيش الحدود ثم إنشاء «المكتب التقني» داخل هيئة الأركان. وتظهر فيه أسماء محمد زرقيني وسليمان هوفمان ومحمد بوتلة. عند هذه النقطة ينتقل أصحاب الخبرة الفرنسية من حالة «ملتحقين بالثورة» إلى موقع يسمح لهم بالمساهمة في تنظيم الجيش نفسه.
وهذه هي الحلقة التي تجعل ص.44 قابلة للاختبار تاريخياً: هل تظهر الأسماء نفسها في مفاصل الجهاز الجديد؟ الجواب الذي يبني عليه الإبراهيمي أطروحته هو نعم.
الترقية: تحويل الكفاءة العسكرية إلى شرعية داخل المؤسسة
وفق الإبراهيمي تسارعت ترقيات عدد من القادمين من الجيش الفرنسي داخل هيئة الأركان منذ بداية 1960. الخبرة التي اكتسبوها في الجيش الفرنسي لم تكن مجرد مهارة شخصية، بل تحولت إلى أصل مؤسسي: القدرة على تشغيل السلاح، تنظيم الوحدات، فهم الإدارة العسكرية، إدارة النقل والهندسة والمدرعات.
وهكذا أصبح التكوين السابق طريقاً إلى موقع أعلى. ومع كل ترقية، تتراجع مشكلة «ضعف الشرعية الثورية القديمة» أمام واقع الحاجة إلى الضابط الذي يعرف كيف يشغل المؤسسة.
علي منجلي وشعباني: الاعتراض على صعود «ضباط فرنسا» بدأ قبل الاستقلال
يذكر المرجع أن المجاهد علي منجلي كان من أوائل من نبهوا إلى خطر هؤلاء داخل اجتماعات المجلس الوطني للثورة الجزائرية بطرابلس سنة 1960. ثم عادت المسألة في أزمة صيف 1962، وظهرت مجدداً في الصدام مع العقيد شعباني، الذي كان مناوئاً لوجودهم في صفوف الجيش الوطني الشعبي.
هذه الشهادة مهمة لأنها تنقل الاعتراض إلى زمن الثورة نفسها، أي قبل أن تصبح القضية جزءاً من السجال السياسي اللاحق. بمعنى آخر: الحساسية تجاه هؤلاء لم تولد في التسعينيات، بل كانت حاضرة لدى قادة ثوريين بينما كان الجيش المستقبلي ما يزال يتشكل.
بورقعة: من ضباط الجيش الفرنسي إلى قلب الدرك الوطني
ينقل المرجع عن مذكرات لخضر بورقعة مثالاً شديد الدلالة: أحمد بن شريف، قائد الدرك الوطني، عيّن شقيقه عبد القادر، الذي كان في الجيش الفرنسي ولم يغادره حتى الاستقلال، ضابطاً في القيادة العامة للدرك بالعاصمة.
هذا المثال يخدم ص.44 لأنه يوضح كيف يمكن أن يحدث الانتقال عملياً من المؤسسة الفرنسية إلى جهاز أمني مركزي في الدولة المستقلة. كما ينقل المرجع عن بورقعة اتهامه بومدين بالاعتماد على مقربين من ضباط الجيش الفرنسي للتضييق على مجاهدين كان يتوجس منهم، ويربط ذلك بأسباب تمرد الطاهر الزبيري سنة 1967.
عمار ملاح: «لو أسمع واحداً يتحدث عن ضباط فرنسا…»
من أقوى الشهادات التي يوردها المرجع رواية الرائد عمار ملاح عن اجتماع للضباط مع هواري بومدين. وعندما أثار عبد المجيد شريف موضوع ضباط فرنسا، ينقل ملاح أن رد بومدين كان:
«لو أسمع واحداً يتحدث عن ضباط فرنسا سأرمي حجراً في فمه».
شهادة الرائد عمار ملاح، كما أوردها المرجع المرفق.الدلالة السياسية واضحة: الملف كان حساساً إلى درجة أن بومدين، وفق الشهادة، أراد إغلاق النقاش حوله. وينقل المرجع أيضاً أن بومدين كان يعتبر الذين خدموا في القوات الفرنسية الأكثر كفاءة؛ أي أن مبرر الاحتفاظ بهم كان الكفاءة، وهي الحجة نفسها التي تفسر لماذا تمركزوا في الأسلحة والمديريات التقنية.
1962: ص.44 تتحول من فرضية إلى خريطة مناصب
بعد الاستقلال لم تعد القضية من يقاتل على الحدود، بل من يدير وزارة الدفاع. وهنا تظهر نتيجة المسار الذي يصفه الإبراهيمي.
| الاسم | الموقع بعد الاستقلال | طبيعة السيطرة المؤسسية |
|---|---|---|
| عبد القادر شابو | الأمين العام لوزارة الدفاع | قلب الإدارة المركزية |
| أحمد بن شريف | قائد الدرك الوطني | جهاز أمني وطني |
| لحبيب خليل | مدير المستخدمين | الترقيات والموارد البشرية |
| سعيد آيت مسعودان | مدير الطيران | سلاح تقني حساس |
| سليمان هوفمان | مسؤوليات مركزية | التنظيم والمدرعات |
| سليم سعدي | مسؤوليات تقنية وعسكرية | النقل والأسلحة |
| مصطفى شلوفي | مسؤوليات داخل الوزارة | الجهاز المركزي |
هذه المواقع هي التي تمنح عبارة «أدّوا دوراً حاسماً داخل وزارة الدفاع» معناها المادي: الأمين العام، المستخدمون، الطيران، الدرك، النقل والمدرعات ليست مناصب بروتوكولية، بل أدوات تشغيل الجيش والتحكم في رجاله وموارده.
سافيا أرزقي: 11 من أصل 20 في المديريات المركزية
دراسة سافيا أرزقي تقدم للجزء المؤسسي من أطروحة الإبراهيمي قرينة مستقلة ومهمة. ففي تحليلها لمسارات عشرين عسكرياً تولوا مديريات مركزية مهمة حتى 1978، كان 11 من أصل 20 من قدماء الجيش الفرنسي.
كما تظهر استمرارية التخصص: سليم سعدي في النقل، رشيد مدوني في الهندسة، سليمان هوفمان في المدرعات، ومحمد زرقيني في تنسيق الأسلحة. أي أن ما تعلموه في الجيش الفرنسي لم يبق ماضياً، بل انتقل مباشرة إلى وظائف بناء الجيش الجديد.
محمد عطايلية: الاعتراض يصل إلى قمة الجيش في عهد الشاذلي
بحسب المرجع، شكل عهد الشاذلي بن جديد ذروة صعود هذه الفئة عبر سلسلة من الترقيات السريعة. وبعد صعود خالد نزار إلى وزارة الدفاع، وقعت استقالات في القيادة، كان أبرزها استقالة الجنرال محمد عطايلية من منصبه كمفتش عام للجيش.
وينقل المرجع أن عطايلية انتقد تولي ضباط وافدين من الجيش الفرنسي زمام المؤسسة العسكرية ودخولها في المواجهة السياسية. أهمية هذه الشهادة أنها تأتي من داخل القيادة العليا نفسها، وتضع مسألة «من يسيطر على الجيش؟» في قلب الصراع المؤسسي، لا في هامش الصحافة.
1957–1992: المسار الطويل الذي يريد الإبراهيمي أن نراه
وصول مجموعات من العسكريين الجزائريين القادمين من الجيش الفرنسي إلى قيادة FLN في تونس والخارج.
ترقيات داخل هيئة الأركان، واعتراضات مبكرة مثل تحذير علي منجلي.
جيش الحدود يفرض نفسه، وتظهر أسماء من هذه الفئة في وزارة الدفاع والدرك والمديريات المركزية.
استمرار تمركز قدماء الجيش الفرنسي في المديريات التقنية؛ دراسة أرزقي تجد 11 من أصل 20.
خالد نزار رئيساً للأركان ثم وزيراً للدفاع، وعبد المالك قنايزية رئيساً للأركان.
يربط الإبراهيمي قمة هذا الصعود بتدخل القيادة العسكرية في حسم المسار السياسي.
سلسلة الشهادات التي تخدم أطروحة ص.44
الإبراهيمي: نحو أربعين من القادمين من الجيش الفرنسي، التحقوا بقيادة FLN في الخارج، ثم لعبوا دوراً حاسماً داخل وزارة الدفاع؛ والهدف، في تفسيره، إعدادهم لقيادة الجيش المستقبلي.
الطاهر الزبيري: يميز فئة خاصة من الضباط القادمين من الخارج منذ 1958، أي الفئة نفسها التي تقع في قلب قراءة الإبراهيمي.
خالد نزار: يورد المرجع عنه رقم 15 ألفاً من الوافدين من الجيش الفرنسي، ما يثبت اتساع الخزان العسكري الذي خرجت منه النواة القيادية.
علي منجلي: حذر من هؤلاء داخل المجلس الوطني للثورة في طرابلس سنة 1960، أي قبل الاستقلال.
لخضر بورقعة: يقدم أمثلة على إدماج عناصر استمرت في الجيش الفرنسي حتى الاستقلال داخل أجهزة مركزية مثل الدرك، ويتحدث عن التضييق على مجاهدين حقيقيين.
عمار ملاح: ينقل رد بومدين العنيف على إعادة فتح موضوع «ضباط فرنسا»، مع تبرير الاعتماد عليهم بالكفاءة.
محمد عطايلية: انتقد لاحقاً وصول ضباط وافدين من الجيش الفرنسي إلى زمام المؤسسة ودخولها في المواجهة السياسية.
سافيا أرزقي: تظهر رقمياً تمركزهم في المديريات المركزية: 11 من أصل 20 في العينة المدروسة، مع استمرار تخصصاتهم الفرنسية داخل ANP.
القاعدة الاجتماعية: لماذا لم تكن الظاهرة هامشية؟
تساعد شهادة بورقعة عن نحو 250 ألفاً منظمين في الجانب الفرنسي، وتقديره أن تأثيرهم العائلي قد يتجاوز مليون شخص، على فهم الخلفية التي تجعل ظهور نواة من العسكريين المحترفين أمراً ممكناً. فالجيش الفرنسي لم يكن مؤسسة منفصلة تماماً عن المجتمع الجزائري؛ بل جند أعداداً كبيرة، وخلق مسارات مهنية، ومعاشات، ومدارس، وامتيازات وشبكات أسرية.
وهذا السياق يفسر كذلك لماذا كان انتقال بعض العسكريين إلى FLN انتقالاً لرأس مال مهني جاهز. لم يدخلوا فقط بأسمائهم؛ دخلوا بخبرة في القيادة والرتب والأسلحة واللغة الإدارية العسكرية.
ماذا تعني عبارة «سليل جيش فرنسا» هنا؟
تستخدم هذه الورقة العبارة في معنى الأصل البشري والتقني والمؤسساتي لمراكز القوة التي بنت الجيش الجديد. فالمسار الذي تتتبعه لا يبدأ سنة 1962، بل داخل الجيش الفرنسي، ثم يمر عبر FLN في الخارج وجيش الحدود وهيئة الأركان، وينتهي في وزارة الدفاع والمديريات المركزية.
جيش فرنسي → قادمون إلى FLN في الخارج → ترقية داخل جيش الحدود → هيئة الأركان والمكتب التقني → وزارة الدفاع → قمة القيادة.
السلسلة الاستدلالية المركزية في هذه الورقة.وبهذا المعنى، فإن وصف الجيش الوطني الشعبي بأنه «سليل جيش التحرير» لا يلغي سؤالاً آخر: هل كان جهازه المهني المركزي، في جزء حاسم منه، من صنع ضباط تشكلوا داخل الجيش الفرنسي؟ الشهادات والمسارات التي جمعتها هذه الورقة تجعل هذا السؤال في قلب تاريخ المؤسسة.
الخلاصة: تتبع الأربعين أهم من الجدل حول التسمية
المفتاح الذي يقترحه عبد الحميد الإبراهيمي بسيط في صياغته لكنه ثقيل في دلالته: تتبع الرجال. من أين جاؤوا؟ متى التحقوا؟ كيف ترقوا؟ أين عُيّنوا؟ ومن أصبح بعد عشرين أو ثلاثين سنة في رئاسة الأركان أو وزارة الدفاع؟
وعندما توضع ص.44 إلى جانب شهادات الزبيري وبورقعة وملاح وعطايلية، ثم إلى جانب الدراسة البنيوية لسافيا أرزقي، تتشكل أمامنا صورة أكثر تماسكاً: القضية ليست وجود أفراد خدموا فرنسا ثم غيروا ولاءهم فقط، بل صعود فئة ذات خبرة فرنسية إلى مواقع تفوق وزنها العددي داخل المؤسسة التي ورثت الدولة بعد الاستقلال.
من هنا تأتي صيغة العنوان: «الجيش الوطني الشعبي: سليل جيش التحرير أم سليل جيش فرنسا؟» ليس بوصفها سؤالاً عن العلم والسيادة، بل عن من صنع الجهاز، ومن درّب كوادره، ومن شغل مراكزه التقنية والإدارية، ومن وصل في النهاية إلى قمة القرار.
المراجع والشهادات
عبد الحميد الإبراهيمي — Aux origines de la tragédie algérienne (1958–2000), Témoignage sur Hizb França. الصفحات المحورية: 43–50، 55–64، 92–109، 125–139 والفصول المتعلقة بالصعود إلى القيادة.
الطاهر الزبيري — نصف قرن من الكفاح: مذكرات قائد أركان جزائري، الشروق للإعلام والنشر، 2011، ص. 168–172.
لخضر بورقعة — مذكرات الرائد لخضر بورقعة: شاهد على اغتيال الثورة، دار الحكمة، 1990، خاصة ص.145 و152؛ وشهادته المنشورة في الشروق، 14/12/2013، حول أعداد المجندين الجزائريين في الجانب الفرنسي.
عمار ملاح — مذكرات الرائد عمار ملاح، ج2، دار الهدى، 2004، في ما يخص نقاش ضباط فرنسا ورد بومدين.
خالد نزار — لقاء حواري على قناة النهار، 12 يوليو 2012، كما أحال إليه المرجع المرفق، بشأن رقم 15 ألفاً.
سافيا أرزقي — De l’ALN à l’ANP. La construction de l’armée algérienne (1954–1991), Éditions de la Sorbonne, 2022، خاصة ص.248–253 و365–366 بحسب النسخة المستخدمة في البحث.
المرجع المرفق — دراسة «الميراث الاستعماري في العلاقات الجزائرية–الفرنسية منذ عام 1962»، مركز دراسات الوحدة العربية، ومنها جُمعت الإحالات إلى الزبيري وبورقعة وملاح ونزار وعطايلية.
قراءة المرجع الرئيسي
ورقة بحثية من إعداد ولد صنهاجة — بوابة البحوث التاريخية والوثائق الأرشيفية.

لخضر بورقعة: 250 ألفاً… ودائرة تأثير تتجاوز المليون
إلى جانب الضباط، يقدم المجاهد لخضر بورقعة صورة عن حجم التجنيد الجزائري في الجانب الفرنسي خلال الحرب. يقول، بحسب المرجع:
«ما كان متواتراً لدينا أنهم في حدود 250 ألف فرد، لكن عملياً أظن أن الرقم أكبر كثيراً… وحتى لو اقتصرنا على رقم 250 ألف مهيكل في الجيش الفرنسي… فإنهم في المجموع يتجاوزون مليون جزائري».
لخضر بورقعة، كما نقلت عنه «الشروق»، 14 ديسمبر 2013.قيمة هذه الشهادة في الورقة ليست في تحويل مئات الآلاف إلى «نواة مؤامرة»، بل في إظهار أن فرنسا امتلكت بالفعل قاعدة تجنيد جزائرية واسعة جداً. وبالتالي فإن قدرة المؤسسة الفرنسية على إنتاج عسكريين مكوَّنين، وعائلات مرتبطة بها، وشبكات اجتماعية لها صلة بالجهاز الاستعماري، لم تكن ظاهرة هامشية.